لبنان يدير مفاوضات الترسيم من موقع القوة

خلُص المبعوث الأميركي ديفيد شنكر بعد جولته على المسؤولين اللبنانيين في الايام الماضية الى ان مهمته التي تقضي باستكمال جولات سلفه ديفيد ساترفيلد التفاوضية، لترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان و«إسرائيل»، صعبة وغير معبّدة. وطالما أن الرجلين ينطلقان من الاعتبارات التي تفرضها الإدارة الأميركية في تقديم مصلحة «تلّ أبيب» على مصلحة لبنان وشعبه، من المبكر الحكم على نجاح مهمّة شينكر أو فشلها، ما دام في طور السعي لتليين الموقف اللبناني علّه ينتزع مقايضة رفضت سابقاً، ومرفوضة الآن ولاحقاً، وتقضي بتخلّي إسرائيل عن النقاط البريّة المتنازع عليها عند الخطّ الأزرق، ورسم خط بياني من البرّ وسحبه غرباً نحو البحر، يعطي إسرائيل مساحات واسعة من المياه اللبنانية، ليصبح من ضمنها البلوك رقم 9 الغني بالنفط والغاز.

ومع أن تلميحات المبعوث الأميركي حيناً وتصريحاته أحياناً، تبعث برسائل تحذير أقرب إلى التهديد، فإنه وضع زيارته الأولى إلى بيروت ضمن عملية جسّ نبض، فهمها المسؤولون جيداً، وأسمعوه بحسب مصادر مواكبة لزيارته وجولته على القيادات اللبنانية، أجوبة قاطعة وحاسمة مفادها أن «لا مجال للمقايضة، ولا للتخلّي عن نقطة من المياه الإقليمية اللبنانية، فكيف الحال إذا كانت المساومة على ثروة لبنان من النفط والغاز». وكشفت المصادر أن شينكر «تبّلغ جواباً واحداً مفاده أن «لبنان ليس ضعيفاً لحماية ثرواته الطبيعية، ولن يخضع لوسائل الضغط الأميركية، ولا لوسائل التهديد الإسرائيلية». لكن المصادر لمست «اصراراً اميركياً على رعاية اتفاق كامل بترسيم الحدود البرية، يزيل أي خطر يعتري عملية التنقيب عن النفط على الجانبين». وهي توقفت عند تصريح المبعوث الأميركي بأن «ترسيم الحدود يعطي الطمأنينة للشروع باستخراج النفط في البحر».

الليونة الأميركية لم تأت من طيب خاطر واشنطن، بل من نقاط القوّة التي يمتلكها لبنان، وتخشى استخدامها ضدّ «إسرائيل»، وجزء أساسي من القلق الأميركي يرتكز الى كلام أمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله، الذي أطلقه قبل أشهر، وجزم فيه أن «إسرائيل لن تستخرج ليتراً من النفط، قبل أن يستخرج لبنان نفطه، وحقوقنا ليست مرهونة بالإرادة الإسرائيلية». وأوضحت مصادر عليمة بأن تهديدات نصر الله، «أخذت على محمل الجدّ، وأن أي شركة عالمية لن تتجرّأ على توقيع عقد مع «تل أبيب» للتنقيب عن النفط، ما دام حزب الله يقول إن منشآت النفط «الإسرائيلية» تقع تحت مرمى صواريخ المقاومة، وهو ما تدرك أبعاده الإدارة الأميركية، وتسعى لتوافق على عملية الترسيم، نزع فتيل تهديد النفط وتبعده عن الصراع التاريخي بين العرب وإسرائيل، وخصوصاً بين الدولة العبرية وحزب الله».

يعرف المسؤول الأميركي أن مهمته معقدة للغاية، وأنه عالق بين الضغوط «الإسرائيلية» التي يمارسها اللوبي اليهودي على إدارته في واشنطن، وبين التشدد اللبناني بعدم التفريط في الحقوق، لكن شينكر يرتكز بحسب مصادر غربية الى تطمينات بلاده، بأنه لن يسير في حقل ألغام، وأن لديه متسعاً من الوقت لإدارة جولات متعددة من المفاوضات، بعيداً عن أي تصعيد عسكري بين لبنان و«إسرائيل»، وتعزو المصادر الغربية التطمينات لعاملين أساسيين، الأول أن واشنطن لن تعطي نتنياهو أو من يفوز غيره بالانتخابات «الإسرائيلية»، الضوء الأخضر لشنّ حرب على لبنان، تعرف أنها لن تقف عند حدود البلدين بل ستشعل المنقطة، والثاني أن المرحلة المقبلة هي مرحلة التفاوض والتسويات الكبرى، وليست مرحلة الحروب والصراعات العسكرية.

وبرأي المصادر الغربية، فإن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ستعقد أواخر الشهر الحالي في نيويورك، ستنطوي على مفاجآت وانفراجات على صعيد العلاقات الأميركية -الإيرانية، مشيرة الى أن «المساعي التي يبذلها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تتقدم بسرعة، على طريق عقد لقاء بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني، يضع إطاراً لمفاوضات جدّية، ويشكّل مدخلاً لحلّ النزاعات القائمة بين البلدين، وأهمها رفع العقوبات الاقتصادية عن ايران، وفكّ الحصار العسكري، والتوصل الى اتفاق حسن جوار بين طهران ودول المنطقة».

انطلاقاً من هذه العوامل، بدأ الإخفاق في تغيير سلوك ايران، يفرض على الولايات المتحدة أجندة مختلفة، وتفكيراً جدياً بتغيير السلوك الأميركي حيال مقاربة ملفات المنطقة، تأخذ بعين الاعتبار أهمية طهران كلاعب أساسي لا يمكن تجاهله، ويستحيل تحجيم نفوذها في المنطقة، هذا التبدّل بدأت مؤشراته مع إقالة أبرز صقور الإدارة الأميركية، مستشار الأمن القومي جون بولتون، والليونة الواضحة في لجهة وزير الخارجية مايك بومبيو، وتنامي الأصوات داخل الكونغرس، من نواب الحزبين الجمهوري والديمقراطي، التي تطالب ترامب باعتماد سياسة واقعية في الشرق الأوسط، والكفّ عن التلويح بحرب مع ايران تخدم نتنياهو وحده، ولا يتحمّل تبعاتها الشعب الأميركي.

أمام هذه التطورات، يقف لبنان في مرحلة ترقّب وانتظار، قد تزداد معها الضغوط الاقتصادية على البلد الصغير والمنهك أصلاً، لكنّ تلك الضغوط لن تغيّر في واقع الحال شيئاً، ولن تسمح بأي تسوية أو صفقة على حسابه، طالما أنه يمتلك أوراق قوّة داخلية بفعل موقفه السياسي الموحّد، وتحقق توازن الرعب مع العدو الإسرائيلي، وأوراق قوّة خارجية تتمثّل بتماسك «محور المقاومة» وتعزيز دوره وموقعه، والذي سيتبلور باتفاق سياسي سيبرم عاجلاً أو آجلاً.

المصدر:

الديار