ظلّت البلاد أمس أسيرة الشائعات حول مستقبلها الاقتصادي والمالي، وذلك غداة يوم الغضب الطويل الأحد الفائت على سياسات الدولة الاقتصادية والمالية وعجزها عن تفريج الأزمة، ما أعاد الى أذهان اللبنانيين حرب الشائعات التي كانت قد سبقت الحرب المشؤومة عام 1975، وأثار مخاوف من احتمال ان تكون البلاد على أبواب حرب اقتصادية ومالية لا تُبقي ولا تذر، خصوصاً في غياب المعالجات الناجعة الآنية والمرحلية والاستراتيجية، وعَجز أهل السلطة عن مواجهة الأزمة بجرأة وعدم التلهّي بمناكفات من هنا ومساجلات من هناك حول جنس الملائكة، وكذلك حول استحقاقات فُتحَت قبل أوانها، من مثل حديث البعض عن أنّ بعض المعنيين الفعليين بمعالجة الأزمة يتعرضون لحملة تستهدف إفقادهم رصيدهم كمرشّحين جديّين لتلك الاستحقاقات.
على رغم من بعض التنفيسات على المستويين الاقتصادي والمالي، ظلت الأزمة تراوح مكانها، وهي بالتالي تُواصل مسيرة الانحدار نحو الهاوية، بصَرف النظر عن «حقنات المورفين» التي تخفف الآلام مؤقتاً.
وقد شَهد اهتمام رئيس الجمهورية ميشال عون، أمس، تركيزاً استثنائياً على الوضع المالي، حيث التقى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي قال انّ التعميم الذي سيُصدره اليوم يضمن تأمين الدولار لاستيراد المحروقات والطحين والدواء، وهذا الأمر سيخفّف الضغط على طلب الدولار في سوق الصرافة، بما قد يساهم في تهدئة السوق، وربما يؤدي الى تراجع سعر صرف الدولار في السوق الرديفة.
وفي معلومات لـ«الجمهورية» انّ اللقاء دامَ ساعة بين عون وسلامة، خُصّص للبحث في ما جرى على المستوى النقدي، في توقيت اعتبره رئيس الجمهورية مُريباً لارتباط ما حصل باللحظة التي غادرَ فيها الى نيويورك، ما أثار شكوكاً في انّ ذلك كان مُخطَّطاً له لاستهدافه في هذه المرحلة الدقيقة بالذات، ولنشر الفوضى التي حصلت أثناء لقاءاته في نيويورك والتشويش عليها.
وقالت مصادر، اطّلعت على مضمون اللقاء، لـ«الجمهورية»، إنّ سلامة كان واضحاً عندما عرض أمام رئيس الجمهورية ما حصلَ في سوق النقد بأدقّ التفاصيل، منذ بداية التطورات التي تلاحقت على مدى أيام، والظروف والمسبّبات التي يعتقد انها هي التي قادت الى ما حصل، وتسلسل الأحداث والمواجهة التي قادَها بالتعاون مع رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي عرضَ معه سُبل مواجهة مسألتَي الفلتان الذي شَهدته سوق الصيرفة في بيع وشراء العملة الخضراء بأسعار تتجاوز السعر الرسمي، وتنظيم العلاقة الواجِب قيامها بين أصحاب محطات المحروقات وشركات التوزيع التي تبيع النفط ومشتقاته بالليرة اللبنانية وشرائها من الشركات المستوردة للنفط ومشتقاته بالدولار، وكذلك بالنسبة الى القمح والأدوية.
وعلمت «الجمهورية» انّ سلامة كان واضحاً في حديثه عن الاتصالات التي شَملت جمعية مصارف لبنان، باعتبارها إحدى حلقات الحَل المنشود. وأبلغه بما توافَر لديه من معلومات عمّا شهده بعض المصارف، وشركات الصيرفة التي كانت مسرحاً لكلّ ما حصل من فوضى وتَلاعب بأسعار الدولار، دَلّت الى مدى جَشع البعض لكسب المال السريع أيّاً كانت النتائج المترتبة على ما حصل، وصولاً الى الأشخاص الذين أدّوا أدواراً بارزة في هذه العملية التي امتدّت لأيام عدة متتالية.
وبعدما شرحَ سلامة الآليّة التي تمّ التفاهم في شأنها لتوفير القمح والمحروقات والأدوية، أبدى رئيس الجمهورية ارتياحه إليها، وشَدّد على أهمية ان يؤدي مصرف لبنان دوره بالتنسيق والتعاون مع المصارف وشركات الصيرفة، كلّ بحسب صلاحياته ومسؤولياته، لمَنع استغلال التدابير الجديدة والحؤول دون استثمارها في غير وجهتها، لتجاوز ما حصل والسّعي الى عدم تكراره مرة أخرى. لافتاً الى أهمية أن يلتزم جميع الأطراف بما عليهم من مسؤوليات، وتحديداً في مثل الظروف التي تمر فيها البلاد والمنطقة، وما يُخَطّط للبنان من مؤامرات اقتصادية ومالية تفوق في خطورتها الاستهدافات الأمنية
المصدر: الجمهورية