الضغط النفسي في مكان العمل

أصيب رودي (7 سنوات) بسرطان في الدم، ما أصاب الأب بالإحباط الشديد والاكتئاب، ولا يزال على حاله منذ ما يزيد عن الشهرين. ولشدّة تعاطف الزملاء معه، ساد جوّ من الحزن على الموظفين جميعاً، ما استدعى طلب المدير من رودي مراجعة معالج نفسي، كما طلب من مكتب شؤون الموظفين البدء بدورات لدعم الراحة النفسية للجميع في مكان العمل، وتدريب فريق العمل على الإيجابية وحسن إدارة القلق وتفريغه بالطرق السليمة، وذلك عبر تمارين خاصة لذلك.

نمرّ جميعنا بظروف وفترات ضاغطة على كلّ الأصعدة، الاقتصادية والاجتماعية والعاطفية والعلائقية، وهذا أمر طبيعي، إذ لا تخلو الحياة من المدّ والجزر.

نخسر حيناً ونربح حيناً آخر، نفرح ونحزن، نقلق ونرتاح، نرتبط ونفترق. ولكنّ الأهمّ في كلّ ذلك هو كيفية تعاطينا مع الضغوطات النفسية في حياتنا اليومية، وكيفية التخلص منها.

تتخلص مايا من الضغط النفسي عند مواجهة المشاكل عبر قيادة السيارة بسرعة جنونية؛ أما جومانا فتلجأ إلى الرقص وسماع الموسيقى في أوقات الشدة، وتقول: «بيقولوا عني بلا همّ، وشو عبالي بضل أرقص، مش عارفين إنو هيك بفش خلقي».

أما راني فيقول: «عندما أعجز عن دفع أقساط أولادي المدرسية أسكت، وأجلس وحيداً في غرفتي. أنا لا أؤذي أحداً، وأتجنّب الحديث بالموضوع حتى مع زوجتي، إلّا أنّ طبيب العائلة ينصحني بالعلاج النفسي، لأنّ آثار الكبت والانعزال قد تكون مضرة جداً، وتنعكس أعراضاً جسدية وأمراضاً، حيث بدأت أعاني من ألم في المعدة وارتفاع في ضغط الدم».

لا يستثني الضغط النفسي الأطفال والمراهقين، فيبدون قلقين ومشتتين في فترات الامتحانات؛ وكم من طفل عانى من التراجع الدراسي والتبول الليلي والإحباط جرّاء طلاق والديه.

من الأسباب التقليدية للضغط النفسي، الانفصال عمّن نحب كالسفر والموت، ولا تقلّ الخيانة أهمية عنه، فقد تهتزّ ثقتنا بالجنس الآخر لسنوات على اثرها.

في ضوء الأزمة الاقتصادية الراهنة في البلد، انتقل الضغط النفسي والقلق من المنازل إلى مراكز العمل، من شركات ومؤسسات ومدارس وجامعات، وكلّ مصدر رزق للمواطنين؛ وكيف لا؟ ويعيش الجميع الخوف من إقفال الأماكن التي يعتاشون منها، وبفضلها يؤمّنون المأكل والمشرب والطبابة والعلاج للعائلة.

هذا من ناحية، أمّا من ناحية أخرى، فتنعكس الهموم والمشاكل الشخصية على الإنتاجية في العمل، ما يؤدي إلى تزايد خطر إقفال المكان الذي يعملون فيه.

كما يتزايد التوتر والقلق في الكثير من الشركات والمؤسسات لأسباب إدارية، إذ يطلب من الموظف العمل بشكل يفوق طاقته، كما قد ينتج ذلك عن دينامية العلاقة بين الزملاء، أو بين الموظفين والمدير، وذلك بسبب طباع المدراء الفوقية أحياناً، وغياب التعاطي بطرق إنسانية، كما قد يكون نتيجة منافسة وغيرة بين الموظفين.

يؤثر التوتر والقلق والضغط النفسي سلباً في جميع المجالات التي نعيش ونعمل فيها، كما يلعب دوراً مضرّاً في العلاقات العاطفية والعائلية والعملية، لذلك وجب على كلّ من يعاني من الصعوبات الحياتية أن يسعى إلى إيجاد الحلول للمشكلة، وعدم الدوران في الأزمة، غارقا في دوامة المعاناة والتعب واليأس.

من المهم بمكان أن نعي أن الهمّ والإحباط والاكتئاب لا تفيدنا بأيّ شيء، بل على العكس، هي يفتح الباب أمام المشاعر والانفعالات السلبية لتحتل المرحلة التي نمرّ بها، فينتج عنها نزاعات وصراعات شخصية، وشح وضعف في الإنتاجية في حال كنا نعمل كموظفين أو كنا أرباب عمل.

ما نواجهه من مصاعب في الحياة بديهي وطبيعي، لكنّ المشكلة تكمن في طريقة تعاطينا مع ذلك، وفي التراكمات التي نحملها في داخلنا لسنوات، لذلك من الأفضل مراجعة الاختصاصيين النفسيين عند الشعور بعدم القدرة على الاستمرارية، وعدم التمكن من تخطّي مرحلة صعبة نمرّ بها.

ومن أهم ما يساعدنا على التخلص من القلق، الإيجابية والتفاؤل والمرونة التي تعزز قدرتنا على إيجاد الحلول وتقبّل الأمر الواقع والظروف الراهنة مهما كانت صعبة.