هل يخشى السياسيون فعلًا من أن يحوّل سلامة "علبة الأسرار" إلى "صندوق فرجة"؟

يبدو واضحًا أنّ شريحة واسعة من اللبنانيّين، منذ إصدار قاضية التحقيق الفرنسيّة أود بوروزي مذكرة توقيف غيابيّة تمّ تعميمها عبر منظمة الأنتربول الدولي، بحق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تجاوزت شخصه وملفاته، متفائلة بإمكان أن يقدم على فضح "شركائه" في إفلاس لبنان وانهيار اقتصاده.

 

وقد عزّز سلامة الذي يخصص ميزانية مالية ضخمة للدفاع عن نفسه، هذا الجوع اللبناني إلى  سقوط "الرؤوس الكبيرة"، إذ وجه إلى القضاة نصيحة مفادها: "ابدأوا بالسياسيين وليس بحاكم المصرف المركزي".

 

ولم يكتف سلامة بتوجيه هذه النصيحة في مقابلة تلفزيونية أعقبت صدور مذكرة التوقيف الفرنسية بحقه، بل تابعها، في وقت لاحق، بالوقوف وراء تسريبات تحدّثت عن "رعب أصاب عددًا من السياسيّين إثر نصيحته".

 

ولكن هل يخشى السياسيون فعلًا من أن يحوّل سلامة "علبة الأسرار" إلى "صندوق فرجة"؟

 

من دون شك، قدّم سلامة خدمات كثيرة لمختلف المؤثّرين في الطبقة السياسية اللبنانية، فدعم مصارفهم وجمعياتهم ونشاطاتهم وصفقاتهم ووظف أزلامهم ورفعهم في السلّم الإداري وموّل نشاطاتهم السياسية وأحيانًا حملاتهم الانتخابيّة.

 

ولكن هذا السلوك الذي اعتمده سلامة يحسب ضدّه، فهو إن نطق به قدّم الأدلة التي يحتاج إليها الساعون وراءه، عن فساد في أداء الوظيفة العامة التي أسندت إليه.

 

ووضعية حاكم مصرف لبنان، بالمعطى القانوني، مختلفة جذريًّا عن وضعية المدراء العامين وسائر موظفي الفئة الأولى، إذ إنّ القانون أعطاه الاستقلالية الكاملة التي تجعل منه، بالفعل، حاكم المصرف المركزي، وهذا يعني أنّه لا يتلقى الأوامر والتعليمات من أيّ مرجع، وتاليًا فإنّ أيّ خدمة يقدّمها، مهما كانت كبيرة، فهي "تلقائية"، وهو من يتحمّل، حصرًا، المسؤولية الجزائية عنها.

 

ومنذ عام 2000 تعاطى رياض سلامة، حسب ما يؤكد سياسيون تعاملوا معه واصطدموا به، مع منصبه على أساس أنّه معبر لا بدّ من سلوكه للعبور إلى رئاسة الجمهورية التي طالما حلم بها، ولهذا السبب فهو استغلّ منصبه من أجل إرضاء القوى الناخبة المحلية والإقليمية والدولية، وأصبح صديق الجميع. وكان أصحاب القرار في لبنان، كلّما وجدوا أن الظرف غير ملائم لوصول سلامة إلى القصر الجمهوري، يتفقون على تجديد ولايته، وفق ما حصل في عام 2016، بحيث تضمّنت صفقة انتخاب رئيس "التيّار الوطني الحر"، في حينه، ميشال عون نقطة تقضي بوجوب التجديد لحاكم مصرف لبنان.

 

وأسلوب سلامة في عقد الصداقات مع جميع القوى المؤثرة في صناعة القرار اللبناني يخفي مجموعة من الفضائح، ولكنّ تبعات هذه الفضائح، تقع جزائيًّا، على عاتق صاحب القرار في مصرف لبنان، أي سلامة نفسه.

 

وخلافًا للانطباع الذي يحاول بعض المتعاطفين مع سلامة تعميمه، فإنّ الملف القضائي المفتوح بحقه في النيابة العامة الماليّة في باريس التي كانت وراء تثبيت حكم الإدانة بحق الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قبل أيّام قليلة، لا يتصل بمسؤوليّته عن الانهيار المالي في لبنان، بل هو محصور في السلوك الشخصي لسلامة و"ربعه"، إذ إنّه يتمحور حول استفادته من منصبه لجني أرباح وتبييض أموالها عبر حسابات مالية مفتوحة له في بلجيكا وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ، وشركات عقارية تعود ملكيتها الحقيقية له.

 

وهذا يعني أنّ القضاء الفرنسي لا يلاحق سلامة في ملفات يمكنها أن تفتح ملفات لآخرين، بل هو يحصر همومه وشجونه وتطلعاته وأهدافه بحاكم مصرف لبنان لا غير، وتاليًا، وخلافًا لما يستسهل البعض تعميمه، لم يطلب أحد في القضاء الفرنسي من سلامة ولن يطلب أحد منه أن يكون "شاهدًا ملكًا" لإسقاط "المتورطين الكبار".

 

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ رياض سلامة لن يضع نفسه في مواجهة حقيقية مع الطبقة السياسية اللبنانية، إذ ستتضاعف حاجته إليها في المرحلة المقبلة، فهو، في حمأة ملاحقته في فرنسا وحيث جرى تعميم مذكرة التوقيف الفرنسيّة، سوف يجد نفسه مضطرًّا للإقامة في لبنان وبحاجة إلى مواصلة الحصول على دعم رجالات القوى السياسيّة الممسكين بمراكز القرار في القضاء اللبناني.

 

وثمّة من يعتقد أنّ رياض سلامة، مهما "شبط ولبط" لن يكون في وضعية أفضل من نائب الرئيس السوري السابق رفعت الأسد الذي هرب من فرنسا عائدًا إلى سوريا "لاجئًا"، بعدما صودرت أمواله وممتلكاته فيها وفي أكثر من دولة أوروبية، بتهم شبيهة بتلك الموجهة حاليًا إلى حاكم مصرف لبنان وبسياق قانوني مشابه.


المصدر النهار